الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

173

طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )

فيكون المجاز حينئذٍ تصرّفاً في أمر عقلي لا في الكلمة - والمراد من التصرّف في الأمر العقلي جعل ما ليس بفرد فرداً له ادّعاءً - وفي الثاني ذهب إلى مثل ما اختاره المشهور « 1 » . ثالثها : ما أفاده صاحب وقاية الأذهان ، فإنّه ذهب إلى كون المجاز استعمالًا للفظ في الموضوع له مطلقاً سواء كان من قبيل مجاز الاستعارة أو المرسل ؛ لأنّ الإرادة في استعمال الألفاظ على قسمين : إرادة استعماليّة وإرادة جدّية ، وهما تارةً تتّحدان وأخرى تفترقان كما في الأوامر الامتحانيّة ، فإنّ الإرادة فيها إرادة استعماليّة فقط لم تتعلّق بمتعلّق الأمر جدّاً . ومن موارد افتراقهما المجازات كلّها ، فإنّ الإرادة الاستعماليّة فيها تعلّقت بالمعنى الحقيقي الموضوع له اللفظ وأمّا الإرادة الجدّية فتعلّقت بالمعنى المجازي ، وهذا تعبير آخر من أنّ المجاز في أمر عقلي وإنّ التطبيق على فرد ادّعائي « 2 » . أقول : هذا القول هو مقتضى اللطافة المجازيّة فإنّ البداعة وجمال البيان يتحقّق فيما إذا استعمل اللفظ في معناه الحقيقي كما في قوله : « هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيت يعرفه والحلّ والحرم » « 3 » فإنّ حسن الكلام في هذا البيت مبني على كون نفس البيت أو الحرم عارفاً بمن هو المقصود فيه لا خصوص أهل البيت وأهل الحرم أو ربّ البيت وربّ الحرم ، وهذا لا يكون إلّا بعد ادّعاء وجود قوّة مدركة عاقلة للبيت والحرم لمعرفة الإمام زين العابدين عليه السلام ، وكذا في سائر المجازات . مضافاً إلى أنّ مقتضى القرابة الشديدة بين المجاز والكناية ذلك ، فإذا كان استعمال اللفظ في الكنايات في نفس الموضوع له فليكن كذلك في المجازات . ولا إشكال ولا خلاف في أنّ اللفظ في الكنايات يستعمل في الموضوع له ؛ لأنّ

--> ( 1 ) . مفتاح العلوم ، ص 153 - 156 ( 2 ) . وقاية الأذهان ، ص 103 وما بعدها ( 3 ) . ديوان الفرزدق ، ج 2 ، ص 178